
Share
جاءت الأحاديث النبوية الشريفة حاثة على الإنفاق :
فمن ذلك ما جاء في فضائل وفوائد الصدقة :
ففي الصحيحين : ( ما منكم من أحد إلا سيكلمه الله ، ليس بينه وبينه ترجمان ، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدّم ، فينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدّم ، فينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه ، فاتقوا النار ولو بشق تمرة ) .
وفي صحيح الترغيب : قوله صلى الله عليه وسلم : ( إن صدقة السر تطفئ غضب الرب ـ تبارك وتعالى ـ ) ، وأيضاً قوله صلى الله عليه وسلم : ( والصدقة تطفئ الخطيئة كما تطفئ الماء النار ) . وفي الصحيحين : وعن عقبة بن عامر ـ رضي الله عنه ـ قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( كل امرئ في ظل صدقته ، حتى يقضى بين الناس ) . قال يزيد : فكان أبو مرثد لا يخطئه يوم إلا تصدق فيه بشيء ولو كعكة أو بصلة .
وفي صحيح الجامع : قوله صلى الله عليه وسلم : ( داووا مرضاكم بالصدقة ) .
وفي صحيح الترغيب : يقول ابن شفيق : سمعت ابن المبارك وسأله رجل : عن قرحة خرجت في ركبته منذ سبع سنين ، وقد عالجها بأنواع العلاج ، وسأل الأطباء فلم ينتفع به ، فقال : اذهب فاحفر بئراً في مكان حاجة إلى الماء ، فإني أرجو أن ينبع هناك عين ويمسك عند الدم ، ففعل الرجل فبرأ .
وروى أحمد : قال صلى الله عليه وسلم لمن شكى إليه قسوة قلبه : ( إذا أردت تليين قلبك فأطعم المسكين ، وامسح على رأس اليتيم ) .
وفي الصحيحين : قوله صلى الله عليه وسلم : ( ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان فيقول أحدهما : اللهم أعط منفقاً خلفاً ، ويقول الآخر : اللهم أعط ممسكاً تلفاً ) . وفي صحيح مسلم : قوله صلى الله عليه وسلم : ( ما نقصت صدقة من مال ) . ولما سألت النبي صلى الله عليه وسلم عائشة ـ رضي الله عنها ـ عن الشاة التي ذبحوها ما بقي منها : قالت : ما بقي منها إلا كتفها . قال : ( بقي كلها غير كتفها ) .
وفي الصحيحين : حديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( من أنفق زوجين في سبيل الله ، نودي في الجنة يا عبدالله ، هذا خير : فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة ، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد ، ومن كان من أهل ا لصدقة دعي من باب الصدقة ، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان ) قال أبو بكر : يا رسول الله ، ما على من دعي من تلك الأبواب من ضرورة ، فهل يدعى أحد من تلك الأبواب كلها ؟ قال : ( نعم ، وأرجوا أن تكون منهم ) . وفي مسلم : حديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( من أصبح منكم اليوم صائماً ؟ ) قال أبو بكر : أنا . قال : ( فمن تبع منكم اليوم جنازة ؟ ) قال أبو بكر : أنا . قال : ( فمن أطعم اليوم مسكيناً ؟ ) قال أبو بكر : أنا . قال : ( فمن عاد منكم اليوم مريضاً ؟ ) قال أبو بكر : أنا . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما اجتمعت في امرئ إلا دخل الجنة ) . وفي أحمد والنسائي وابن ماجة ، صحيح الجامع : ( كان النبي صلى الله عليه وسلم يوصي التجار بقوله : ( يا معشر التجار ، إن هذا البيع يحضره اللغو والحلف فشوبوه بالصدقة ) . وفي البخاري ومسلم : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( الساعي على الأرملة والمسكين ، كالمجاهد في سبيل الله ، أو القائم الليل الصائم النهار ) .
وعند البيهقي في ( الشعب ) وابن أبي الدنيا ( قضاء الحوائج ) صحيح الجامع : 1096 : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أفضل الأعمال أن تُدخل على أخيك المؤمن سروراً ، أو تقضي عنه ديناً ، أو تطعمه خبزاً ) .
وفي البخاري ومسلم ، واللفظ لمسلم : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما تصدّق أحد بصدقة من طيّب ، ولا يقبل الله إلا الطيب ، إلاّ أخذها الرحمن بيمينه ، وإن كانت تمرة ، فتربو في كف الرحمن ، حتى تكون أعظم من الجبل ! كما يربّي أحدكم فَلُوَّه أو فصيله ) . وفي البزار والطبراني ، صحيح الجامع : 1512 : وصية النبي صلى الله عليه وسلم لبلال رضي الله عنه بقوله : ( أنفق يا بلال ، ولا تخش من ذي العلاش إقلالا) . وفي أبو داود ، صحيح أبي داود للألباني : 1677 : عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال : يارسول الله أيُّ الصدقة أفضل ؟ قال : ( جُهد المُقلِّ ، وابدأ بمن تعول ) .
وفي النسائي وغيره ، صحيح النسائي للألباني : 2527 : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( سبق درهم مائة ألف ! ) قالوا يارسول الله : وكيف ؟ ! قال : ( رجل له درهمان فأخذ أحدهما فتصدّق به ، ورجلٌ له مال كثير ، فأخذ من عُرض ماله مائة ألف ، فتصدق بها ) .
وفي النسائي ، صحيح النسائي : 2528 : عن أبي مسعود رضي الله عنه قال : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا بالصدقة ، فما يجد أحدنا شيئاً يتصدق به ، حتى ينطلق إلى السوق ، فيحمل على ظهره ، فيجيء بالمُدّ ، فيعطيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إني لأعرف اليوم رجلاً له مائة ألف ، ما كان له يومئذ درهم ! ) .
وفي الترمذي وابن خزيمة ، صحيح الترغيب للألباني : 884 : عن أم بُجيد ـ رضي الله عنها ـ أنها قالت : يارسول الله إن المسكين ليقوم على بابي فما أجد له شيئاً أعطيه إيّاه ؟. فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن لم تجدي إلاّ ظِلفاً محرقاً ، فادفعيه إليه في يده ) . وفي البخاري ومسلم : قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم : يارسول الله ، أي الصدقة أفضل ؟ قال : ( أن تصدّق وأنت صحيح حريص ، تأمُلُ الغنى ، وتخشى الفقر ، ولا تُمهل حتى إذا بلغت الحُلقوم ، قلت : لفلان كذا ، ولفلان كذا ، وقد كان لفلان ! ) . وقال صلى الله عليه وسلم : ( كان رجل يداين الناس ، فكان يقول لفتاه : إذا أتيت معسراً ، فتجاوز عنه ، لعل الله يتجاوز عنّا ، فلقي الله فتجاوز عنه ) . وفي الترمذي وغيره ، صحيح الترمذي للألباني : 2616 : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( .. والصدقة تُطفيء الخطيئة كما يُطفئ الماء النار ! .. ) . وفي الطبراني ، صحيح الجامع : 3797 : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( صنائع المعروف تقي مصارع السُّوء ، وصدقة السرّ ، تطفئ غضب الرب ، وصلة الرَّحم تزيد في العمر ) . وفي أحمد وابن خزيمة وابن حبان والحاكم ، صحيح الترغيب : 872 : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( كل امرئ في ظل صدقته حتى يقضي بين الناس ! ) . وفي البخاري ومسلم ، واللفظ للبخاري : في حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله : ( ورجل تصدّق بصدقة فأخفاها ، حتى لا تعلم شماله ما صنعت يمينه ) .
وعن عدي بن حاتم رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( اتقوا النار ! ) ثم أعرض وأشاح ، ثم قال : ( اتقوا النار ! ) ثم أعرض وأشاح ثلاثاً ، حتى ظننا أنه ينظر إليها ، ثم قال : ( اتقوا النار ولو بشق تمرة ، فمن لم يجد فبكلمة طيبة ) .
وعند البغوي في شرح السنة ، وهو في صحيح الترغيب : 911 : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من نفّس عن غريمه ، أو محا عنه ، كان في ظلّ العرش يوم القيامة ) . وفي الطبراني والبيهقي ، صحيح الترغيب : 873 : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الصدقة لتطفئ عن أهلها حرّ القبور ! وإنما يستظل المؤمن يوم القيامة في ظلّ صدقته ) .
أفضل الصدقات :
جاء في الصحيحين : قوله صلى الله عليه وسلم : ( أفضل الصدقة أن تصدّق وأنت صحيح شحيح ، تأمل الغنى وتخشى الفقر ، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت : لفلان كذا ولفلان كذا ، ألا وقد كان لفلان كذا ) . وفي أبي داود : قوله صلى الله عليه وسلم : ( أفضل الصدقة جهد المقل ، وابدأ بمن تعول ) ، وروى النسائي كما في صحيح الجامع : قوله صلى الله عليه وسلم : ( سبق درهم مائة ألف درهم ) قالوا : وكيف ؟ ! قال : ( كان لرجل درهمان تصدق بأحدهما ، وانطلق رجل إلى عرض ماله ، فأخذ منه مائة ألف درهم فتصدق بها ) .
وفي الصحيحين : قوله صلى الله عليه وسلم : ( الرجل إذا أنفق النفقة على أهله يحتسبها كانت له صدقة ) . وفي مسلم : قوله صلى الله عليه وسلم : ( أربعة دنانير : دينار أعطيته مسكيناً ، ودينار أعطيته في رقبة ، ودينار أنفقته في سبيل الله ، ودينار أنفقته على أهلك ، أفضلها الدينار الذي أنفقته على أهلك ) . وفي الصحيحين : كان أبو طلحة أكثر أنصاري بالمدينة مالاً ، وكان أحب أمواله إليه بيرحاء ، وكانت مستقبله المسجد ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلها ويشرب من ماء فيها طيّب . قال أنس : ( فلما أنزلت هذه الآية : { لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون } آل عمران : 92 . قام أبو طلحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يارسول الله إن الله يقول في كتابه { لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون } وإن أحب أموالي إلي بيرحاء ، وإنها صدقة لله أرجو برّها وذخرها عند الله ، فضعها يارسول الله حيث شئت ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( بخ بخ مال رابح ، وقد سمعت ما قلت فيها ، إني أرى أن تجعلها في الأقربين ) . فقال أبو طلحة : أفعل يارسول الله ، فقسّمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه . وفي أحمد والنسائي والترمذي وابن ماجه : قوله صلى الله عليه وسلم : ( الصدقة على المسكين صدقة ، وهي على ذي الرحم اثنتان صدقة وصلة ) . وفي أحمد وأبو داود والترمذي صحيح الجامع : قال صلى الله عليه وسلم : ( أفضل الصدقة على ذي الرحم الكاشح ) .
وفي مسلم : أوصى النبي صلى الله عليه وسلم أبا ذر بقوله : ( وإذا طبخت مرقة فأكثر ماءها ، واغرف لجيرانك منها ) . وقال صلى الله عليه وسلم : ( أفضل الدنانير : دينار ينفقه الرجل على عياله ، ودينار ينفقه الرجل على دابته في سبيل الله ، ودينار ينفقه الرجل على أصحابه في سبيل الله ـ عز وجل ـ ) .
وفي أحمد والترمذي ، صحيح الجامع : قوله صلى الله عليه وسلم : ( أفضل الصدقات ظلُّ فسطاط في سبيل الله ـ عز وجل ـ أو منحة خادم في سبيل الله ، أو طروقة فحل في سبيل الله ) . وفي الصحيحين : قال صلى الله عليه وسلم : ( من جهز غازياً في سبيل الله فقد غزا ) . في مسلم : قوله صلى الله عليه وسلم : ( إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث : صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له ) .
مجالات الصدقة الجارية :
جاء في مسند أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة ، صحيح الجامع : قول الرسول صلى الله عليه وسلم : ( أفضل الصدقة سقي الماء ) .
وفي الصحيحين : لما سُئل النبي صلى الله عليه وسلم : أي الإسلام خير ؟ قال : ( تطعم الطعام ، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف ) .
وقوله صلى الله عليه وسلم : ( من بنى مسجداً يبتغي به وجه الله بنى الله له بيتاً في الجنة ).
وفي صحيح الترغيب : عن جابر ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( من حفر بئر ماء لم يشرب منه كبد حرى من جن ولا إنس ولا طائر إلا آجره الله يوم القيامة ، ومن بنى مسجداً كمفحص قطاة أو أصغر بنى الله له بيتاً في الجنة ) .
وفي ابن ماجة صحيح الترغيب : قال صلى الله عليه وسلم : ( إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته علماً علمه ونشره ، أو ولداً صالحاً تركه ، أو مصحفاً ورثه ، أو مسجداً بناه ، أو بيتاً لابن السبيل بناه ، أو نهراً أجراه ، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته تلحقه بعد موته ) .
وفي البخاري : قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( مامن أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام ) يعني أيام العشر . قالوا : يارسول الله ! ولا الجهاد في سبيل الله ؟ قال : ( ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله ، ثمّ لم يرجع من ذلك بشيء ) . وقال صلى الله عليه وسلم في حديث آخر : ( إن المكثرين هم المقلّون يوم القيامة ، إلا من أعطاه الله خيراً فنفح فيه يمينه وشماله وبين يديه ووراءه وعمل فيه خيراً ) .
وفيما يلي أخبار منتقاه في الانفاق :
روى الإمامُ أحمدُ و مسلمُ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عله و سلم : ( بينا ( بينما ) رجلٌ بفلاةٍ من الأرضِ ( صحراء ) فسمعَ صوتاً في سحابةِ يقوم : اسْقِ حديقةَ فلان ، فتنَحَّى السحابُ ( انحرف ) فأفرَغَ ماءَهُ في حرةٍ ، فإذا شَرْجَةٌ من الشراج ( وادٍ من الأودية ) قد استوعبت ذلك الماء كلَّه ـ فتبعَ الماءَ ، فإذا رجلٌ قائمٌ في حديقته يحوِّلُ الماءَ بمسْحاته ( فأسه ) فقال : يا عبدالله ، ما اسمكَ ؟ قال : فلان للاسم الذي سَمِعَهُ في السحابة ، فقال له : يا عبدالله لم تسألني عن اسمي ؟ قال : إني سمعتُ صوتاً في السحابِ الذي هذا ماؤهُ ، يقول : اسق حديقةَ فلان لاسمك ، فما تصْنع فيها ؟ قال : أمَّا إذا قُلتَ هَذا ، فإني انظرُ إلى ما يخرجُ منها فأتصدَّقُ بثُلثِهِ وآكل أنا و عيالي ثُلثَه وأرد فيها ثلثه ) .
قال ابن القيم رحمه الله : ( فإن للصدقة تأثيراً عجيباً في دفْع البلاء ، ولو كانت من فاجر ، أو ظالم ، بل من كافر ، فإنَّ الله يدفع عنه بها أنواعاً من البلاء ، وهذا أمرٌ معلوم عند الناس ، خاصِّهم وعامِّهم ، وأهل الأرض كلُّهم مقرُّون به لأنهم جّرَّبوه ) .
وقال أيضاً : ( من رَفَقَ بعبادِ الله رَفَقَ الله به ، ومن رحمهم رحمه ، ومن أحسن إليهم أحسن إليه ، ومن جاد عليهم جاد الله عليه ، ومن نفعهم نفعه ، ومن سترهم ستره ، ومن منعهم خيره منعه خيره ، ومن عامل خلقه بصفةٍ عامله الله بتلك الصِّفة بعينها في الدنيا والآخرة ، فالله تعالى لعبده حسب ما يكون العبد لخلقه ) . وقال عبدالعزيز بن عمير : ( الصلاة تبلِّغك نصفَ الطريقِ ، والصوم يبلِّغكَ باب المَلِكِ والصدقةُ تدْخِلُكَ عليه ) .
وقال ابن القيم رحمه الله في الوابل الصِّيب : ( كان ابنُ عوفٍ أو سعدٌ بن أبي وقاصٍ رضي الله عنهما يطوفُ بالبيت وليس له إلا دعوةٌ واحدةٌ وهي : ربِّ قني شُحَّ نفسي ، فقيل : أما تدعو إلا بهذه الدعوة فقال : إذا وقيتُ شحَّ نفسي فقد أفلحتُ لقوله تعالى : ومن يوقَ شُحَّ نفسه فأولئك هم المفلحون . سورة التغابن آية 16 .
وعن أبي النعيم الحافظ قال : كان سبب إقبال حبيب أبي محمد على الآجلة وزهده في العاجلة ، حضوره مجلس الحسن ـ رحمه الله ـ فوقعت موعظته في قلبه ، فخرج مما كان فيه من غفلة و إسراف ، وعاد واثقاً بالله ، مكتفياً بضمانه ، فاشترى نفسه من الله حيث تصدق بأربعين ألف درهم على ألاربع دفعات ، تصدق بعشرة آلاف درهم في أول النهار ، فقال : يا رب قد اشتريت نفسي منك بهذا ثم أتبعها بعشرة أخرى و قال : هذا شكراً لما وفقتني إليه ، ثم أخرج عشرة آلاف أخرى و قال : يا رب إن لم تقبل مني الأولى و الثانية ! فاقبل مني هذه ، ثم تصدق بعشرة آلاف أخرى و قال يا رب :إن قبلْتَ مني الثالثة فهذا شكراً لها ، فتصدق في يوم واحد بأربعين ألف .
ومن الأمور الدالة على عظم البذل وفعل الخير وأثره :
ما أخبر به الرسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أن امرأةً بغياً سقت كلباً فغفر الله لها ) . قال أبو ذر الغفاري رضي الله عنه : ( الصلاة عماد الإسلام ، والجهاد سنام العمل ، والصدقة شيء عجيب ! والصدقة شيء عجيب ! والصدقة شيء عجيب ) . قال ابن مسعود رضي الله عنه : ( إن استطعت أن تجعل كنزك حيث لا يأكله السوس ، ولا تناله اللصوص ، فافعل بالصدقة ! ) . قال الشعبي : ( من لم ير نفسه إلى ثواب الصدقة أحوج من الفقير إلى صدقته ، فقد أبطل صدقته ، وضُرب بها وجهه ! ) . وكان سفيان الثوري ينشرح إذا رأى سائلاً على بابه ، ويقول : ( مرحباً بمن جاء يغسل ذنوبي ! ) . وكان الفضيل بن عياض يقول : ( نِعمَ السائلون ، يحملون أزوادنا إلى الآخرة بغير أجرة ّ ! حتى يضعوها في الميزان بين يدي الله تعالى ! ) .
قال ابن عباس رضي الله عنهما : ( اثنان من الشيطان ، واثنان من الله تعالى ، ثم قرأ هذه الآية : { الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا } يعني : يأمركم بالطاعة والصدقة ، لتنالوا مغفرته وفضله { والله واسع عليم } يعني : واسع الفضل ، عليم بثواب من يتصدق ) . وقال ابن مسعود رضي الله عنه : ( إن رجلاً عبد الله سبعين سنة ، ثم أصاب فاحشة ، فأحبط عمله ، ثم مر بمسكين فتصدق عليه برغيف ، فغفر الله له ذنبه ، ورد عليه عمل السبعين سنه ! ) . ويقال : إن الحسن مرّ به نخاس ومعه جارية ، فقال للنخاس : ( أترضى في ثمنها الدرهم والدرهمين ؟ ! ) قال : لا ! قال : ( فاذهب فإن الله عزّ وجلّ رضي في الحور العين العين بالفلس واللقمة ! ) . وقال ابن مسعود رضي الله عنه : ( درهم ينفقه أحدكم في صحته وشحه ، أفضل من مائة يوصى بها عند الموت ) . وقال عبدالعزيز بن عمير : ( الصلاة تبلغك نصف الطريق ، والصوم يبلغك باب الملك ، والصدقة تدخلك عليه ! ) . وقال عبيد بن عمير : ( يحشر الناس يوم القيامة أجوع ما كانوا قط ، وأعطش ما كانوا قط ، وأعرى ما كانوا قط ، فمن أطعم لله عز وجل ، أشبعه الله ، ومن سقى لله عز وجل سقاه الله ، ومن كسا لله عز وجل ، كساه الله ) .
وما أجمل ما قيل :
أيا من عاش في الدنيا طويلاً وأتعب نفسه فيمـا سيفنـى هب الدنيا تقاد إليـك عفـواً وأفنى العمر في قيل وقـال وجمّع من حرام أو حـلال أليس مصير ذلـك للـزوال |
ونختم هذه الصور المشرقة بكلام رب العالمين الذي قال بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم : { وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين ، ولن يؤخر الله نفساً إذا جاء أجلها والله خبير ما تعملون } المنافقون : 10، 11 .
|
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق