الاثنين، 3 مارس 2014

https://www.google.ne/search?q=السعي+في+عمل+الخير&oq=السعي+في+عمل+الخير&aqs=chrome..69i57.1703j0j8&sourceid=chrome&espv=210&es_sm=93&ie=UTF-8#q=%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%B9%D9%8A+%D9%81%D9%8A+%D8%B9%D9%85%D9%84+%D8%A7%D9%84%D8%AE%D9%8A%D8%B1&start=10


وافعلوا الخير لعلكم تفلحونطباعةإرسال إلى صديق
منبر الجمعة
الكاتب الشيخ : حسن السبيكي   
الأربعاء, 18 يناير 2012 21:09
Share
Share
يقول الله عز وجل : { إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (57) وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (58) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ (59) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (60) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (61)} [سورة المؤمنون].

خمس آيات بينات من سورة المؤمنون تضم أخص خصال المؤمنين الصادقين :

ـ خشية الله ، 
التي لها في قلوبهم هيبة ورهبة وإجلالا؛ ولذلك فهم لربهم يرهبون:{ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ }، والإيمان بآيات الله ، إيمان تصديق ومحبة واستجابة وتطبيق:{ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ }، والتوحيد الخالص الذي لا يشوبه شيء من الشرك ، اعتقادا ولا عملا: { وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ }، والعمل الصالح الذي يأتونه بالطاعات والإنفاق ، ابتغاء مرضاة ربهم خوفا وطمعا: {  وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ }. وكان لتلك الخصال مجتمعة ثمرتها الخيرة العملية في المسارعة في الخيرات، والمنافسة فيها، بالمبادرة والمسابقة: { أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ }.
آيات سألت عنها عائشة رضي الله عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ)؛ أهم الذين يشربون الخمر ويزنون ويسرقون؟ قال: ( لا يا ابنة الصديق، ولكنهم الذين يصلون ويصومون ويتصدقون، ولكنهم يخافون ألا يتقبل منهم، أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون ) [الترمذي وابن ماجه واحمد]، وجدير بنا أن نتدبر هذه الآيات ومعانيها؛ لننظر ماذا يكون حالنا وموقعنا منها ؟

ـ هل نحن على خشية لله تعالى حقيقية تحدونا إلى طاعته واتقاء غضبه ؟ . وهل نحن على إيمان راسخ بكتاب الله تعالى ، يحرك هممنا وعزائمنا لتلاوته وتدبر آياتــه، والعمل بأحكامه، والتزام حدوده ؟ . أم هل نحن على التوحيد الخالص لله اعتقادا وعملا ، دون إشراك في ربوبيته وألوهيته ، قولا وعملا ؟ . وماذا قدمنا من أعمال البر والخير، طلبا لمرضاة الله ورضوانه واستعدادا للقائه ؟. بل أين نحن من هؤلاء الذين يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون ، ومع ذلك فهم يخافون ألا تتقبل منهم أعمالهم ، و يشعرون بالتقصير في جنب الله تعالى مهما اجتهدوا في الطاعات وفعل الخيرات ؟ .
إن منطلق الوعي بحقيقة تديننا ، وإدراك مقامنا في مضمار الطاعات وفعل الخيرات ، هو أن نعلم أن دين الله تعالى عقيدة وشريعة ، إيمان وعمل ، يقترنان لزوما ولا ينفصلان ، وأن صالح العمل لا يتوقف على العبادات الصرف وحدها ، من صلاة وصيام وحج وعمرة وأذكار وتلاوة للقرآن . تلك أعمال صالحة في العبادات فاضلة ومطلوبة ، تحكمها علاقة مباشرة بالله جل وعلا . لكن لا بد من أن يكون المؤمن فعالا للخير في علاقاته الاجتماعية المختلفة ، فيعمر حياة دنياه بالصالحات إسهاما في تحقيق الحياة الطيبة بجلب المنافع ودرء المفاسد خدمة للصالح العام . فيكون على عبادة لله تعالى  في سائر أعماله وعلاقاته ، مثلما يعبده سبحانه بالصلاة وغيرها ، وفي ذلك استجابة لأمر الله تعالى بطاعته والتقرب إليه بالعبادات وفعل الخيرات جميعا :{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (77) } [سورة الحج]. إذ بفعل الخير تكتمل حقيقة إيمان المؤمن ويكون له في ذلك برهان عملي ، وتسمو شخصيته الإنسانية ويعلو قدرها عند الله وبين الناس، لقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( خير الناس أنفعهم للناس ) [رواه الطبراني في المعجم الكبير، وحسنه الألباني] . وهو في ذلك إنما يدخر من خير دنياه الفانية لآخرته الباقية ، موقنا بفضل المولى تعالى وعظيم ثوابه :{ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُيسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } [المزمل 20].

إن فعل الخير الذي أمر الله تعالى به ورغب فيه ، مطلب واسع باتساع مجالات الحياة ومتطلباتها؛ لذا يشمل كل قول أو فعل خالص ومشروع ، مما يصل به النفع إلى الناس ، وتتحقق به مصلحة عاجلة أو آجلة، مادية أو معنوية ، للفرد أو الجماعة أو المجتمع أو الأمة أو الإنسانية . وتتنوع أسماؤه ونعوته في القرآن والسنة النبوية ، فهو فعل الخير ، والعمل الصالح ، وهو البر والإحسان والحسنة والمعروف وغيرها . فكـلُ ما هو نافع ٍ للأمة في أمر دينِها ودنياها وآخرتها, مما يُرضي اللهَ عزَّ وجلَّ , فهوَ مِن شُعبِ الخير ومعانيه ، أيا كان ، في المعتقدِ والنيةِ والفعل والقول , إقداماً أو إحجاما , منعاً أو عطاءً , صلة ً أو انقطاعاً . وأيُما امرئ , أوصَلَ ذلك أو سعى إليه , أو عمِلَ للانتفاع بهِ أو دل عليه , فهو مِن أهل الخير الصالحين المصلحين .

ذلك أن فعل الخير مطلب العقول السليمة والفطر النقية والمقاصد النبيلة ، وأن الاشتغال بقضاء حوائج الناس، وإعانتهم والقيام على مساعدتهم، وتقديم يد المعونة لهم، لا يقوم به إلا من امتلأ قلبه يقيناً بفضل الله، ويطمع فيما وعد به عباده المحسنين :{ الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يحب المحسنين }؛ ولهذا لا تجد فاعلا للخير إلا وهو كريم الخصال ، فاضل الخلق، طيب الأفعال ، محب للناس ، محبوب عندهم ، وهو عند الله تعالى مشمول بالمحبة والرضا والتوفيق الدائم لمزيد من أعمال البر والخير والإحسان ، وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان :{ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ } [العنكبوت:69 ]. وكيف لا يسمو الفضل ويعظم الأجر في أعمال صالحة هي ثمرة الإيمان والوفاء والإخلاص وحب الخير، تغرس المحبة وتورث المودة وتوثق الروابط  ، بالمشاركة في السراء ، والمواساة في الضراء ، والتعاون على البر والتقوى .

مَن يفعل ِ الخيرَ لا يَعدَم جوازيَهُ                 لا يذهبُ العُرفُ بينَ اللهِ والنَّاس

ـ فكل معروف تسديه إلى الناس قولا أو فعلا
 ، هو خير يرضي الله تعالى مهما قل ، ولو كان مصافحة لأخيك أو ابتساما في وجهه ، لقول النبي الكريم صلى الله عليه وسلم: ( لا تحقرن من المعروف شيئا ، ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق )[رواه مسلم]، وقوله: ( اتقوا النار ولو بِشِقِّ ‏تمرة. فمن لم يجد فبكلمة طيبة ) [متفق عليه].

ـ والرحمة والعفو والإشفاق والسماحة والرفق ، كل ذلك خير في معاملة الناس بما هو طريق إلى عفو الله ورحمته :{.. وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (22) }[سورة النور].
ـ وإغاثة الملهوف، ونصرة المظلوم، وتفريج كربة المكروب، وعون المحتاج ، من أعمال الخير ذات الأثر العظيم والأجر العميم؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام :( مَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا ، فَرَّجَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الآخِرَةِ ، وَمَنْ سَتَرَ أَخَاهُ الْمُؤْمِنَ فِي الدُّنْيَا ، سَتَرَهُ اللهُ فِي الآخِرَةِ ، وَاللهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ( .[ أبو داود والتِّرمِذي ].
ـ  وبر الوالدين، وصلة الأرحام، وإحسان معاملة الجيران، وعيادة المرضى، والرفق بالضعفاء ، أفعال خير فاضلة ومأجورة :{ وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ .. (36) } [سورة النساء] .
ـ  والسعي على الأرملة واليتيم والمسكين ، وكل ذي عوز واحتياج ، جهاد  بفعل الخير ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( الساعي على الأرملة والمسكين ، كالمجاهد في  سبيل الله: القائم الليل ، الصائم النهار )[ الشيخان]، وقوله : ( أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين، وأشار بالسبابة والوسطى، وفرج بينهما ) [رواه البخاري] .

ـ وإتقان الأعمال، وحفظ الأمانات، والوفاء بالوعود والعهود، والصدق في الأقوال والأفعال 
، أعمال خير من خصال المؤمنين يحض الإسلام عليها ويجزل الثواب:{ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (8)}[سورة المؤمنون].

ـ والاجتهاد في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، 
بحسب المؤهلات والقدرات، وبأسلوب الحكمة والموعظة الحسنة؛ لنصرة الحق والعدل والصلاح ، ومقاومة أسباب ومظاهر الشر والفساد ، ذلك من خصال أهل الإيمان والصلاح : { يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (114)}. [سورة آل عمران].

ـ والعمل في ميادين الدعوة لنشر الدين ونصرته ، وإعلاء كلمة الله بالقول إرشادا وتعليما ، وبالمال إنفاقا وإسهاما  ، أعلى مراتب فعل الخير؛ إذ العمل لدين الله طريق كل خير ، لقوله تعالى :{ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (33) }[سورة فصلت] . وقول النبي صلى الله عليه وسلم، ( لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم ) [البخاري].

وهكذا تتعدد أبواب فعل الخير ووسائله وتتنوع ،بحيث لا يمكن الإحاطة بها، ما دامت الحياة كلها ميدانا لذلك بمختلف مجالاتها. ولكن القيام بالعمل الخيري والنهوض بأعبائه ، يحتاج إلى ترويض النفس وحملها على استساغته واعتياده ، فلا تسعف وتستجيب بغير تربية ومران ، حتى يسهل عليها وتنقاد إليه راضية؛ لذا يلزم العمل على إسعادها بلذة العمل الصالح وإسداء النفع للناس . وتحريك عزائمها طمعا في الفوز عند الله تعالى بجزاء العاملين في سبيل الخير والإصلاح؛ ففي الجنة حياة بلا موت، وصحة بلا مرض، وشباب بلا هرم، ورضى من الله بلا سخط، ونعيم بدون بؤس، وأمان بدون خوف.

فالذين نقبل عليهم بالخير ونسدي إليهم النفع ، هم أنفع لنا بما ننال بسببهم من سعادة روحية وأجر وثواب. ومهما يكن فعل الخير عظيما، فإن ثوابه أولى وأعظم :{.. وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (20) } [سورة المزمل] . وفي الحديث القدسي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله تعالى يقول يوم القيامة: ( يا ابن آدم مرضت فلم تعدني، قال: يا رب! كيف أعودك وأنت رب العالمين؟! قال: أما علمت أن عبدي فلاناً مرض فلم تعده، أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده؟!، يا ابن آدم، استطعمتك فلم تطعمني، قال: يا رب! وكيف أطعمك وأنت رب العالمين؟! قال: أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه، أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي، يا ابن آدم، استسقيتك فلم تسقني، قال: يا رب! كيف أسقيك وأنت رب العالمين؟ قال: استسقاك عبدي فلان فلم تسقه، أما إنك لو سقيته وجدت ذلك عندي ) [ صحيح مسلم].

إن فاعل الخير يحيا على نبل الشعور بواجب النفع لغيره من الناس ، متحررا من قيود الأنانية وأغلال الشح ، فتقوى لديه دوافع الإصلاح والإسهام في تنمية الحياة بالخيرات والصالحات ، والاجتهاد في دفع المساوئ والمفاسد . فالإنسان الذي يعيش لنفسه يحيا صغيرا ، ويموت صغيرا . لكن الذي يعيش للناس ، يمتد عمره بأعمار كل من أسدى إليهم معروفا ، وعند الرحيل يشعر أنه  أخذ من دنياه الكثير لأنه أعطى الكثير ، ولأجر الآخرة أهم وأكبر.

تراه إذا ما جئتَه متهلِّلاً ... كأنك تُعطيهِ الذي أنتَ سائلــــــــــــــــهُ

هو البحر من أيِّ النواحي أتيتهُ ... فلجّتهُ المعروفُ والجودُ ساحله

تعوَّدَ بسطَ الكفِّ حتّى لو أنهُ ... ثناها لقبضٍ لم تطعهُ أناملــــــــه
 
ولو أنَّ ما في كفّهِ غيرُ نفسهِ ... لجادَ بها فليتّقِ الله سائلـــــــــه
 




الخطبـــة الثانيـــــة

عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( إِنَّ مِنَ النَّاسِ مَفَاتِيحَ لِلْخَيْرِ ، مَغَالِيقَ لِلشَّرِّ ، وَإِنَّ مِنَ النَّاسِ مَفَاتِيحَ لِلشَّرِّ ، مَغَالِيقَ لِلْخَيْرِ؛ فَطُوبَى لِمَنْ جَعَلَ اللَّهُ مَفَاتِيحَ الْخَيْرِ عَلَى يَدَيْهِ ، وَوَيْلٌ لِمَنْ جَعَلَ اللَّهُ مَفَاتِيحَ الشَّرِّ عَلَى يَدَيْهِ ).[أخرجه ابن ماجة].

في الحديث كلمة الفصل في الفرق بين من يحيا لفعل الخير، فيكون له مفتاحا بأقواله وأفعاله حيثما حل وارتحل، يعمر دنياه بالعمل الصالح ، ويبني آخرته بما يتقرب به إلى الله تعالى من إسداء النفع للناس ماديا ومعنويا ، فطوبى له بما ينتظره في دنياه وآخرته من الرضا والرضوان !! ومزيد عناية من الله وتوفيق؛ إذ هو في الدارين من المفلحين الفائزين . وبين من يحيا على الشر، يفسد دنياه ودنيا الناس ، وكأنه مفتاح الشرور التي تصدر منه حيث كان ، فويل له من مغبة سيرته الفاسدة المفسدة ، في حال حياته وبعد مماته ، فهو لاشك من الخاسرين إن لم يكن من التائبين .

فكن ، أخي الكريم ، فاعلا للخير ، على كل حال ، فأنت تستطيع ذلك ولو كنت لا تملك شيئا من متاع الدنيا. افعل الخير بلسانك ويدك وكريم أخلاقك وحسن معاملاتك، ولو أن تميط الأذى عن الطريق ، أو تتبسم في وجه أخيك ، أو تدل على الخير ، ( والدال على الخير كفاعله )[رواه الترمذي، وقال الألباني:حسن صحيح]. فإن لم يتيسر لك شيء من ذلك ، فأمسك شرك عن الناس ، ولا تؤذ أحدا ، فهو لك  خير تؤجر عليه، ولا تكن مفتاحا للشر ، مغلاقا للخير . ولا تحقرن من أعمال الخير والاحسان شيئا ، فإنك لا تدري حيث يكون رضا الله تعالى ، ولا تحقرن من الشر شيئا ، فإنك لا تدري حيث يكون سخط الله جل وعلا ، والله يعلم وأنتم لا تعلمون . فقد دخلت امرأة الجنة في فعل خير مع كلب سقته رحمة وإشفاقا؛ فغفر الله لها ورحمها ، ودخلت امرأة أخرى النار في هرة حبستها حتى ماتت جوعا وعطشا . وكلاهما مذكور في الحديث النبوي الصحيح . وإن لفعل الخير مراتب تتفاضل فيها الأعمال بقدر المقاصد والآثار: فأن يطرق أحدهم بابك فتعطيه ، شيء جميل ، وأجمل منه وأولى أن تطرق أنت الأبواب بالعطاء ، وأسمى من كل ذلك وأعظم،أن تبني أو تشارك ماديا ومعنويا في المؤسسات الخيرية والجمعيات والهيئات العاملة في مجالات الخير والإحسان الدائمة .

فافعلوا الخير واعلموا أن وراءكم يوما لا ينفع المرء فيه إلا ما قدم من صالح الأعمال . وما دامت الآجال معدودة محدودة ، فبادروا وسابقوا قبل حلول الموانع ، عملا بوصية النبي الكريم صلى الله عليه وسلم: (بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سِتًّا: طُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، أَوْ الدُّخَانَ، أَوْ الدَّجَّالَ، أَوْ الدَّابَّةَ، أَوْ خَاصَّةَ أَحَدِكُمْ، أَوْ أَمْرَ الْعَامَّةِ) [رواه مسلم ]، وعملا بموعظة النبي صلى الله عليه وسلم لرجل، قال: (اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك) [رواه الحاكم وصححه الألباني].

جعلني الله وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، ويبادرون إلى الصالحات وفعل الخيرات.


حسن السبيكي ـ المغرب

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق